كتبي
بقع الغياب

قيد الطبع · ٢٠٢٥

بقع الغياب

سيرة بهاق

محمد الحكيم

في يومٍ غيرِ مميز، أصبتُ بالبياض، أو بالغياب إذا شئنا تحري الدقة العلمية. كان عمري ثلاثة عشر عامًا، وأحلامي لا تسعها الحياة. سيرة ذاتية أدبية تتناول تجربة العيش مع البهاق منذ سن المراهقة. رحلة من الخوف والعزلة والغضب، مرورًا بالعلاجات الشعبية والأشعة فوق البنفسجية، وصولاً إلى التصالح مع الجسد واللون والهوية. ليست كتابة عن المرض، بل كتابة من داخله, من داخل الجلد الذي فقد لونه، ومن داخل النفس التي وجدت صوتها.

نموذج من الكتاب

الإهداء

إلى غيابي السِّري المتقادم، لأنني بسببهِ أكتبُ قصتي.

وإلى الدكتورة ن. م لأنها ابتسمت لي، لمستني، وباركتني، وجعلتني أشعرُ أني بخير.

وإلى نهال، قطة الله، وصديقة الفتى المبرقش

وإلى نود أنت ترينني، وأنا أراكِ

البهاق Vitiligo هو مرضٌ مناعي يصيب الجلد، ويتسبب في موت الخلايا الصبغية المسؤولة عن منح الجلد لونه الطبيعي، وهي التي تفرز الميلانين الذي يحمي الجلد من الأشعة فوق البنفسجية بزيادة إفرازه، مما يمنح الجلد لونًا أغمق، هذا اللون هو حماية الجسد لسطحه الخارجي. البهاق علميًا ليس تلون الجلد بالأبيض، بل هو غياب اللون، لكننا مجازًا نراه باللون الأبيض. البهاق هو الغياب.

١ بداية البياض عندما يتحول البياضُ إلى هاجسٍ يومي، وإلى لونٍ بطعمِ الغياب.

في يومٍ غيرِ مميز، إنني حتى لا أذكره على وجه التحديد، أصبتُ بالبياض، أو بالغياب إذا شئنا تحري الدقة العلمية، فالمادة الصبغية التي تمنح الجلد لونه، تتناقص تدريجيًا تدريجيًا، ثم فجأة، تتوقف الخلايا عن إنتاج الميلانين المسؤول عن حماية الجلد من أشعة الشمس. كان عمري ثلاثة عشر عامًا، وأحلامي لا تسعها الحياة. كنتُ في الرياض، بالمملكة العربية السعودية، وهي المدينةُ التي تحتضنُ ذاكرة الطفولة وعنفوان المراهقة، وقبر أمي، وتاريخ الأمل والألم، وأول عراك وحب وتمرد. أما سبب الإصابة فأعتقدُ أنها كانت صدمة عصبية إثر ضربٍ مبرحٍ من والدي، جعلتني لا أنطقُ بأي كلمة لعدة أيام، فقط نظرات غاضبة، وصمتٌ عقابيٌ ممتليءٌ بالنقمة والتحفز. كانت "علقة موت" ظلت آثارُها باقية معي حتى الآن.

بعد أسبوعين أو أكثر، اكتشفتُ بقعةً بيضاءَ وحيدةً في جسمي، على حدود المنطقة الخاصة. لم أستطع البوح لأحد أو إعلان اكتشافي لهذا التغير اللوني في خارطة جسدي، لا لشئٍ إلا لأنها بقعة غائرة وبعيدة ومحرمة وغريبة، وكنتُ آنذاكَ في طور المراهقة والنمو، حيث تتغيرُ شرائعُ الجسد، وكنتُ لاعبًا متحمسًا لألعاب القوى والكونغ فو، وفي مثل تلك الألعاب، ثمة تقديرٌ كبير لمناطق عضلات اللب، تلك التي تشمل البطن والحوض والأرداف، فهي المحرك الرئيسي النفاث للمهارة والقدرة، إنها عمود الجسد. أتى هذا البياض أول ما انبثق في منطقة اللب، ليجعلني حائرًا بتساؤلاتي، وحيدًا في خوفي.

كان قلقي يزدادُ بازديادِ مساحةِ بقع البياض، وانتشارها كنقاط من اللون الأبيض الباهت سقطت على سطح جلدي، وتمددت ببطء في محيط دائري. لم يكن لمخاوفي أي مبررٍ؛ فأنا لم أعرف بعدُ ماهيتها، لكنني أدركتُ بحدسي أن في هذه البقع البيضاء المدورة يكمنُ الكثيرُ من شقائي مستقبلاً. استشعرتُ أن هذا البياض بشكل أو بآخر، سيشارك رغمًا عني في تكوين هويتي. لم أحاول يومها أن أبوحَ لأحدٍ عن ذلك، ولا حتى لأفضلِ أصدقائي، بل دونتُ ملاحظاتٍ وهواجس في دفترٍ صغيرٍ فقدته فيما بعد، ولم تبقُ منه في الذاكرةِ سوى أطلال.

٢ اجرح نفسك كي تُشفى. العلاج الأول عندما اختفت البقعة التي في كتفي

لم أكن أقضي كثيراً من وقتي وأنا أفكرُ في سري الصغير الأبيض. لكنني كنت أطيل المكوث في دورة المياة، أو أقفل عليَّ الغرفة بينما أهلي في الخارج، وأتأمل بقع البياض. أصبحت الوحدة هي اختياري دائمًا. أهلي ذاهبون للتنزه. تريدُ أن تخرج معنا؟ لا. أصدقاء سيخرجون للصياعة والدجة والترقيم.

— مشينا محمد؟ — مع نفسكم ياشباب.

وأصبحت متلازمة تفكيري تترواح ما بين القلق والخوف من هذا المجهول الذي يسكن جسمي، ولم أعرف كنهه بعد. هكذا تدرب حسي، وتعودت أفكاري المتعلقة ببقعة البياض على عدم الظهور أو التجلي إلا عندما أكون وحيدًا.

بعدها بأشهر لاحظت المزيد من البقع البيضاء بدأت تظهر في جسمي، في كتفي وعلى امتداد ظهري، في رجلي وحول الركبتين وتنتشر ببطءٍ إلى أن حدثت الفاجعة وانبثق البياض في جفني وتحت عيني، كنت حينها أحاول قتل نفسي، وأقضي أغلب وقتي وحيدًا فوق سطح البناية وأفكر بالقفز إلى الشارع، وكنت أعتقد جازمًا أن الله سيسامحني ويدخلني الجنة لأنه سيشفق عليَّ من أن يراني الآخرون مليئًا هكذا بالبقع البيضاء، ولم يكن يمنعني فعلاً من الإلقاء بنفسي سوى فكرة منطقية جدًا، أنني ربما لن أموت، وعلى الأرجع سأصابُ فقط بالشلل أو تتكسرُ عظامي كلُّها، فكنت أختارُ أن أظل بالبهاق وحده دون شلل.

٣ أحلام الأشعة الزرقاء ركلة في المسجد

كنا على أبواب الألفية الثالثة. وكان ذلك الوقت يشهد ميلاد شبكة الانترنت بمفهومها المعاصر، وبموسوعيتها المعلوماتية، وكنت أشارك في منتدى الساحات العربية، وأنشر كتاباتي المليئة بالحزن والكآبة في القسم الأدبي، ومع ذلك لم أنشر أي نص أشيرُ فيه إلى سري الأبيض، وجدت في الأسماء المستعارة والشخصيات الوهمية طريقة مثالية للتنفيس عما بداخلي، لكن الاستفادة الحقيقية التي جعلتني أبدأ في دراسة الانترنت كتقنية مكنتني فيما بعد أن أصبح رائدًا تقنيًا، وأؤسس عدة مشاريع تعمل من خلال الانترنت، أهمها مشروع أنطولوجي، الفهرس الجمالي الذي أنشرُ فيه مادةً إبداعية متفردة من نوعها.

٤ أريد سرطانًا أو إيدزًا عندما يصبح الأسوأ هو الأفضل

ودَّعتُ السنة الثانية لي مع البهاق، وكان قد انتشر في أنحاء وجهي، وفي المنطقة التناسلية بالكامل وهو ما وجدته جميلاً ولم أكرهه أبدًا، لو كان فقط يكتفي بتلوين عضوي هذا اللعين، وانتشر أعلى ظهري وبعض المناطق المتفرقة مثل الأكواع وأطراف الأصابع، وكنت شديد النهم في التحصيل العلمي وحفظ القرآن، ولم ألبث بضعة أشهر حتى أتممتُ حفظ القرآن كاملاً، ولم أنتقل إلى المرحلة الثانوية إلا وقد نسيته مرة أخرى.