من أنا.

أنا محمد الحكيم. مصريّ تكوّن وجدانه في الجزيرة العربية، وأعيش اليوم في الإمارات. أعمل في الكتابة، الرواية الصوتية، والإنتاج الثقافي. أشغل حاليًا منصب مدير الإنتاج الثقافي والمحتوى الرقمي في مركز سالم بن حم الثقافي بالعين. أسّستُ أنطولوجي، القِبلة والفضاء الإبداعي لمئات الشعراء والأدباء منذ ٢٠١٤، وأبني فهرس، محرك فهرسة دلالية للكتاب العربي. سجّلت أكثر من ٤٠٠ ساعة في الكتب المسموعة والتعليق الوثائقي والإعلامي. أعتبرُ أن الثقافة هي شغفي، والإنتاج المعرفي هو إرثي في هذا العالم.

أنا لستُ ضدَّ علامةِ الاستفهام كي لا أضعها، ولستُ مستهينًا - لا سمح الله - بأي علامةِ استفهامٍ أخرى، وإنما يمكن القول إن صيغة السؤال هي أصعب طريقةٍ يمكن أن يُعرِّفَ بها امرؤٌ نفسه أو حتى يقدمُ على المحاولة.

الأنا المتورطة بسؤالها، دائمًا ما تتظاهر بالإجابة، أو تمثلها. أما تلك التي تحكي حكايتها من خلال الإخبار المتواصل، الوامض كالبرق وكالحقيقة، حيث لا يمكنك في النهاية أن تحتفظ بتعريفٍ متكامل عنها، فهي أنايَ المترصدة هنا؛ القابعة على حافة الأوطان، المقيمة على مشارف الأبد، تتهجى طرق وجودها، وتسعى إلى مسارات مجدها، ولا تسأل كثيرًا عن الأسباب، تلك المتجددة دون إعادة خلق، ودون مراجعات كثيرة، أو طَرْقٍ بالحديد على صفيحٍ معوج.

لماذا أقدم نفسي هكذا؟

لأنه ليس من السهل أن أعرَّفني. اسمي جاء تبركًا بالنبوة، وعشتُ مختلفًا متغيرًا بأسماء مستعارة على مر السنوات. هذه التغيرات صنعت تجربتي.

أنا مصريّ المنشأ، عربيُّ التكوين، تشكّل وجداني في الجزيرة العربية، وسمتني الرياضُ الرمادية، ثم أخذتني من بعدها المدن كما تأخذ أبناءها غير المعلنين: إلى القاهرة، إلى أبوظبي، إلى الشارقة، إلى العين، إلى الانتظار الطويل والتردد والشك، إلى تلك المنطقة الملتبسة التي لا أكون فيها مقيمًا تمامًا ولا عابرًا تمامًا.

في بداياتي، لم يكن الصوت مهنة. كان طريقةً للنجاة.

كان الأدب مأوى، واللغة سلاحًا ناعمًا، والقراءة محاولةٌ لتأجيل السقوط. انجذبت مبكرًا إلى الشعر، إلى الفلسفة، إلى نيتشه وسيوران، إلى الحافة التي يقف عندها المعنى قبل أن ينهار أو يتجلى. ومن هناك جاء لقبي القديم: حارس الهاوية. لم يكن لقبًا للزينة، بل توصيفًا لمزاجٍ وجودي يرى العالم من حافة السقوط الوشيك، دائمًا.

الشعر معرفةٌ داخلية، وممرُّ عبور. تشريحٌ للدواخل، وطريقةٌ لقول ما تعجز اللغة اليومية عن حمله. كان التاريخ الخفي للجمال الإنساني: خيباته، صراعاته، حبه، شبقه، خوفه من الموت، واندفاعه نحو مناطق الخطر داخل النفس والعالم.

ومن هنا لم يكن غريبًا أن يتحول الصوت إلى امتداد للشعر، لا مجرد أداءٍ خارجي له. فالشعر، وإن كُتب على الورق، يولد من منطقةٍ أعمق من الكتابة؛ من النبرة، من النفس، من الرجفة الأولى قبل أن تستقر الكلمة في السطر. النص لا يفقد شيئًا حين يُقرأ بصوتٍ حي، بل يستعيد بعض جسده الأول. ولهذا جاءت علاقتي المهنية بالصوت في منتصف العقد الأول من الألفية، قبل أن تصبح الكتب الصوتية صناعة رائجة، وقبل أن يصير الإنصات شكلًا جديدًا من أشكال القراءة.

كنت أؤمن، قبل أن يصبح ذلك واضحًا للسوق، بأن للأذن مستقبلٌ في صناعة النشر.

ومن هذا الإيمان وُلدت مشاريع التسجيل والإنتاج، ثم الاستوديو، ثم التجارب الطويلة في قراءة الأدب والشعر والكتب، حتى صار الصوت عملًا وهاجسًا ومختبرًا للمعنى.

لكن الحكاية لم تتوقف عند الأداء.

مع الوقت، تحوّل السؤال من: كيف أقرأ النص؟ إلى: كيف نعيد بناء علاقة العرب بالنص؟ كيف نمنح القصيدة بيتًا؟ كيف ننقذ الجمال من عشوائيته؟ كيف نجعل الشعر أعلى قليلًا من صليل الأسلحة، ومن صراخ السياسة، ومن النعرات الصغيرة التي تملأ الهواء وتسرق من الإنسان قدرته على الإصغاء؟

فجاءت أنطولوجي.

لم تكن أنطولوجي منصةً فحسب، ولا أرشيفًا باردًا للنصوص، ولا موقعًا آخر في زحام المواقع. كانت، في أصلها، خطبةً طويلة ضد الركود. موجةً صغيرة، وربما عنيدة، في وجه المستنقع. محاولةً لجمع ما يتناثر من شعر وأدب وفن، وفهرسة ما يستحق أن يبقى، وإتاحة طريقٍ أقل وحشة نحو المعنى.

في أنطولوجي، لم يكن الشعر زينة ثقافية. كان موقفًا من العالم. كان دعوةً إلى أن نسمع شيئًا آخر حين يملأ الصراخُ الدنيا. أن نذهب إلى القصيدة لا هربًا من الواقع، بل لكي نستعيد القدرة على احتماله. أن نسمع كيف تقول الأمم الأخرى ألمها، وكيف تلمس الجمال، وكيف تحوّل الخيبة إلى نغمة، والحب إلى أثر، والموت إلى سؤالٍ قابل للإنشاد.

كانت أنطولوجي، في جوهرها، مقاومةً صامتة للنسيان: أن نمنح النصوص بيتًا، والأصوات أثرًا، والقراء بابًا يدخلون منه إلى تلك الغابة القديمة التي اسمها الشعر.

على امتداد أكثر من عقدين، تنقلت بين الكتابة، والترجمة، والتحرير، والإخراج الإبداعي، والتسجيل الصوتي، وإنتاج الكتب والبودكاست، وصناعة المحتوى الثقافي. لم يكن هذا التنقل هروبًا من مهنة إلى أخرى، بل بحثًا عن المهنة الأعمق: صناعة المعنى في زمنٍ يتكاثر فيه الكلام وتندر فيه النبرة الصادقة.

وفي السنوات الأخيرة، دخلت التقنية إلى قلب تجربتي لا كبديل عن الإنسان، بل كامتداد جديد لسؤالي القديم. صار الصوت الذي خرج من الكتب يعيش في فضاءات رقمية أوسع، يعبر لغاتٍ لم يولد فيها، ويصل إلى مستمعين لا يعرفون صاحب الحنجرة الأولى. هنا لم تعد المسألة مجرد تعليق صوتي أو أداء احترافي، بل صارت سؤالًا فلسفيًا آخر: ماذا يبقى مني حين يتكاثر صوتي؟ وأين تقف الروح حين تصبح قابلة للنسخ؟

هذه الأسئلة لا أخشاها.

على العكس، أذهب إليها كما ذهبت قديمًا إلى الهاوية، لا للسقوط هذه المرة، ولكن لرؤيةٍ أعمق.

اليوم أعمل عند تقاطع الأدب والصوت والتقنية. أكتب، أقرأ، أنتج، أؤسس، وأختبر إمكانات جديدة للثقافة العربية في زمن الذكاء الاصطناعي والمنصات والتحولات الكبرى في النشر والمعرفة. تجربتي ليست سيرة صعود مستقيم، بل سيرة عبور: من الورق إلى الميكروفون، من الاستوديو إلى المنصة، من الذات الجريحة إلى المشروع، من العدم كهاجس إلى البناء كفعل مقاومة.

لا أزال حارسًا للهاوية، نعم.

لكن الحارس تعلّم شيئًا مع الوقت: أن الهاوية لا تُهزم بالتحديق فيها فقط، بل ببناء جسر فوقها، ولو من صوت، ولو من نص، ولو من معنى مؤقت يكفي للعبور.

أنا لا أكتب كي أشرح نفسي.

ولا أقرأ كي أثبت حضوري.

ولا أصنع المنصات لأن العالم ينقصه موقع جديد.

أفعل ذلك لأن المعنى، إن لم يجد من يحرسه، صار ضحية سهلة للضجيج.

ولأن الشعر، رغم كل شيء، لا يزال قادرًا على إفساد الركود.

ولأنني، رغم كل شيء، لا أزال أريد أن أحكي.

ولا أزال أريد أن أسري.